عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

505

اللباب في علوم الكتاب

وأنزل مقدّرا مصاحبته إياهم ، وقدّره أبو البقاء « 1 » بقوله : « شاهدا لهم ومؤيّدا » ، وهذا تفسير معنى لا إعراب . والألف واللام في « الكتاب » يجوز أن تكون للعهد ، بمعنى أنّه كتاب معين ؛ كالتوراة مثلا ، فإنها أنزلت على موسى ، وعلى النّبيّين بعده ؛ بمعنى أنّهم حكموا بها ، واستداموا على ذلك ، وأن تكون للجنس ، أي : أنزل مع كلّ واحد منهم من هذا الجنس . قال القاضي « 2 » : ظاهر الآية يدلّ على أنّه لا نبيّ إلّا ومعه كتاب ، أنزل فيه بيان الحق : طال ذلك الكتاب ، أم قصر ، ودوّن ، أو لم يدوّن ، وكان ذلك الكتاب معجزا ، أم لم يكن . وقيل : هو مفرد وضع موضع الجمع : أي وأنزل معهم الكتب ، وهو ضعيف . وهذا الجملة معطوفة على قوله : « فبعث » ولا يقال : البشارة والنّذارة ناشئة عن الإنزال فكيف قدّما عليه ؟ لأنّا لا نسلّم أنّهما إنما يكونان بإنزال كتاب ، بل قد يكونان بوحي من اللّه تعالى غير متلوّ ولا مكتوب . ولئن سلّمنا ذلك ، فإنّما قدّما ، لأنهما حالان من « النّبيّين » فالأولى اتّصالهما بهم . قوله : « بالحقّ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون متعلّقا بمحذوف على أنه حال من الكتاب - أيضا - عند من يجوّز تعدّد الحال ، وهو الصحيح . والثاني : أن يتعلّق بنفس الكتاب ؛ لما فيه من معنى الفعل ، إذ المراد به المكتوب . والثالث : أن يتعلّق بأنزل ، وهذا أولى ؛ لأنّ جعله حالا لا يستقيم إلّا أن يكون حالا مؤكدة ، إذ كتب اللّه تعالى لا تكون ملتبسة بالحقّ ، والأصل فيها أن تكون مستقلّة ولا ضرورة بنا إلى الخروج عن الأصل ، ولأنّ الكتاب جار مجرى الجوامد . قوله : « ليحكم » هذا القول متعلق بقوله : « أنزل » واللام للعلة ، وفي الفاعل المضمر في « ليحكم » ثلاثة أقوال : أحدها : وهو أظهرها ، أنه يعود على اللّه تعالى : لتقدّمه في قوله : « فبعث اللّه » ولأنّ نسبة الحكم إليه حقيقة ، ويؤيّده قراءة الجحدري « 3 » فيما نقله عنه مكّي « لنحكم » بنون العظمة ، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلّم . وقد ظنّ ابن عطية أن مكيا غلط في نقل

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 91 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 14 . ( 3 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 286 ، والبحر المحيط 2 / 145 ، والدر المصون 1 / 519 .